ابن بسام

489

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

المدن ، واضطرمت في كلّ جهة « 1 » نارهم ، ورويت من دماء المسلمين أسنّتهم وشفارهم ، ومن أخطأه القتل منهم فإنما هم بأيديهم أسرى وسبايا ، يمتحنونهم بأنواع المحن والبلايا ، وقد همّوا بما أرادوه من التوتّب ، وأشرفوا على ما أمّلوه من التغلّب « 2 » ، فيا للّه ويا للمسلمين ! ! أيسطو هكذا بالحقّ الإفك ، ويغلب التوحيد الشرك ، ويظهر على الإيمان الكفر ، ولا يكتنف هذه الملّة النصر ؟ ! ألا ناصر لهذا الدين المهتضم « 3 » ، ولا حامي لما استبيح من حمى الحرم ! ! وإنّا للّه على ما لحق عرشه « 4 » من ثلّ ، وعزّه من ذلّ ، فإنها الرزيّة التي ليس فيها عزاء ، والبليّة التي ليس مثلها بلاء . / ومن قبل هذا ما كنت خاطبتك - أيّدك اللّه - بالنازلة في مدينة قورية - أعادها اللّه - وأنها مؤذنة الجزيرة بالخلاء ، ومن فيها من المسلمين بالجلاء ، ثم ما زال ذلك التخاذل يتزايد ، والتّدابر يتساند ، حتى تخلّصت القضية ، وتعجّلت البليّة ، وحصلت في يد العدوّ - قصمه اللّه - مدينة سرته « 5 » وعليها قلعة تجاوزت حدّ القلاع ، في الحصانة والامتناع ، وهي من المدينة « 6 » كنقطة الدائرة وواسطة القلادة ، يدركها من جميع نواحيها ، ويستوي [ في ] « 7 » الاستضرار « 8 » بها قاصيها ودانيها « 9 » ؛ وما هو إلا نفس خافت ، ورمق زاهق ، إن لم تبادروا بجماعتكم عجالا ، وتتداركوها ركبانا « 10 » ورجالا ، وتنفروا نحوها « 11 » خفافا وثقالا . وما أحضّكم على الجهاد بما في كتاب اللّه تعالى ، فإنكم له أتلى ، ولا أحرّضكم على [ 124 أ ] التسرّع إليه بما في حديث رسوله عليه السلام ، فإنكم إلى معرفته أهدى .

--> ( 1 ) المسالك : ناحية . ( 2 ) قوله : ولم يزل دأبهما . . . من التغلب : انظر ما تقدم ص 248 - 249 حيث اقتبسه ابن بسام كأنما هو من إنشائه . ( 3 ) المسالك : المعتصم . ( 4 ) عرشه : يعني عرش الدين . ( 5 ) ذكرها الإدريسي ( نزهة المشتاق - قسم الأندلس والمغرب : 175 ، 196 تحقيق دوزي ) وذكر أن بينها وبين شقورة مرحلتين كبيرتين ، وأنها مدينة متوسطة القدر حسنة البقعة كثيرة الخصب . ( 6 ) ك والمسالك : الجزيرة . ( 7 ) ط : ويستوفي . ( 8 ) ك والمسالك : الإضرار . ( 9 ) قارن بما ورد ص 249 . ( 10 ) المسالك : ركبا . ( 11 ) نحوها : زيادة من م س ، ولم ترد في المسالك .